حبيب الله الهاشمي الخوئي

71

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

أردنا ذكره لانجاز المقصود والايصال إلى المطلوب وبالفرض لو لم تكن أمثال هذا الحديث صادرة عنهم عليهم السّلام لكان استدلالات تامّة واحتجاجات وافية في المقصود وهذه الأحاديث وأمثالها معاضدات للعقل في حكمه وارشادات له في قضائه ونحن بعون اللَّه نأتي في بيان الحديث بطائفة من المطالب المختارة الحكمية العقلية ليزداد الطالب بصيرة إلى الفلاح وهداية إلى النجاة والنجاح . قوله عليه السّلام : انا لما أثبتنا ان لنا خالقا صانعا . فيه إشارة إلى معرفة اللَّه تعالى بالعقل والنظر والبرهان لا بتقليد الاباء والأمّهات والعلماء والأساتيذ وغيرهم . قوله عليه السّلام : متعاليا عنّا وعن جميع ما خلق . فانّ ما سواه تعالى مخلوقه ومعلوله ممكن في ذاته ومحتاج في وجوده وبقائه إلى جنابه فانّ الممكن في اتصافه بالوجود يحتاج إلى جاعل مرجح يخرجه من العدم ويجعله متصفا بالوجود فان كلّ عرضى معلَّل ولما كانت العلة المحوجة إليه تعالى هو الامكان وان الامكان لا يزول عن الممكن الموجود أيضا فمفتقر إلى علته في بقائه ووجود العلة فوق وجود المعلول في وجوده وجميع صفاته ومتعال عن التّجسّم والتعلَّق بالمواد والأجسام وعن كلّ حد وصمة يتطرق في معلولاته . قوله عليه السّلام : وكان ذلك الصانع حكيما متعاليا ، فإنّ إتقان صنعه في مخلوقه على قدر لائق لكل شيء والنظام الأكمل الأتمّ المشهور في الكون المحير للعقول والأمور الغريبة الحاصلة في خلق السماوات والأرض والعجائب المودعة في بنية الانسان والحيوان والنبات تدلّ على كمال حكمة بارئه فانّ الحكمة هو العدل والحق والصواب والحكيم هو العالم الذي يضع الأشياء مواضعها ، أو لم يتفكَّروا في أنفسهم ما خلق السماوات والأرض إلَّا بالحق ، الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ، ثمّ ارجع البصر كرّتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ، وبالعدل قامت السماوات والأرض . ثم إن الصانع الحكيم لا يترك النّاس سدى ولا يهملهم فلابدّ من أن يكون له سفراء في خلقه .